ابحث في هذه المدونة

الأربعاء، 4 نوفمبر، 2009

الترادف


يمكن القول تسامحا: إنه إذا كان الاشتراك علاقة بين معنيين اتحد لفظهما، فإن الترادف علاقة بين لفظين اتحد معنياهما. ويتوقف الحكم على كلمتين بأنهما مترادفتان في معنى ما أو لا على نوع المعنى؛ إذ قد تكون الكلمتان مترادفتين في نوع ما من المعنى ومختلفتين في نوع آخر. فالصارم والهندي في قول الشاعر:

في حامل الصارم الهندي منتصرا ضع السلاح قد استغنيت بالكحل

صفتان للسيف، وهما مترادفتان في الذات (أي في الإشارة إلى السيف الذي يحمله الغلام المتحدث عنه) ومتباينتان في الصفة؛ لأن الصارم يعني القاطع أو الحاد، والهندي يعني أنه منسوب إلى الهند.

وقد عرف فخر الدين الرازي المترادفات بأنها "الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد"،[1] وقد أخرج بقوله "المفردة" العلاقة بين الشيء وتعريفه، لأن لكل كلمة في اللغة حدا وتعريفا، وأخرج بقوله: "باعتبار واحد" العلاقة بين مترادفين باعتبارين كالصارم والهندي. وذكر كل من الشريف الجرجاني،[2] والشوكاني[3] تعريفا مشابها.

4، 3، 1- الخلاف في وجود الترادف في اللغة

ذهب بعض اللغويين قديما وحديثا إلى إنكار وجود الترادف في اللغة، منهم ابن الأعرابي، وثعلب، وابن فارس، والمبرد، وأبو هلال العسكري، ومن الأسباب التي ذكرت لذلك أن المترادفات غير مفيدة "وواضع اللغة حكيم لا يأتي فيها بما لا يفيد"[4] وفسروا ما يرى فيه ترادفا على أنه "من لغتين متباينتين" أو أن المعنيين مختلفان، أو أنه من قبيل "تشبيه شيء بشيء".[5]

وقد أول بعض منكري الترادف ما ورد من المترادفات بالتماس فروق دقيقة بينها، كالتفريق بين الاسم والصفة كما تقدم، وبالغوا أحيانا في تكلف بعض الفروق، ومن ذلك تعسفهم في القول بأن الإنسان والبشر من المتباينات وليس من المترادفات؛ لأن "الأول موضوع له باعتبار النسيان، أو باعتبار أنه يؤنس، أو باعتبار أنه بادي البشرة".[6] ولا يخفى ما في هذا من تكلف وتمحل؛ إذ لو كانت هذه الفروق ملحوظة لراعاها متكلمو اللغة في استخدامهم للكلمتين. ومن تعسفات منكري الترادف في اصطياد فروق بين المترادفات ذهابهم إلى القول بأن جلس وقعد متباينان؛ لأن الأول يكون عن اضطجاع والثاني عن قيام، ولكن المتأمل في كلمة ‘المجلس’ الواردة في القرآن الكريم، وفي كل ما ورد من ‘جلس’ و‘قعد’ ومشتقاتهما في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ليلحظ أن ما قيل عن الفرق بين الكلمتين لا يخرج عن التكلف والمبالغة، على أنه ينبغي ألا يفهم من تعليقنا هذا نفي الترادف بين الكلمتين، بل كل ما قُصد هو نفي التفريق بينهما على النحو المذكور، أما وجود فروق معنوية ناشئة عن اختلاف توزيعهما السياقي، فهو أمر واضح من خلال النظر في الآيات التي وردت فيها مشتقات ‘قعد’ ومنها "تقعد" واقعدوا" و"القاعدين" و"مقعد".؛ إذ لا يمكن إحلال مثيلات هذه الكلمات من مقابلاتها المشتقة من ‘جلس’.

4، 3، 2- أنواع الترادف:

يبدو أن تقسيم الترادف تبعا لتقسيم المعنى مفيد منهجيا في اكتشاف أنواعه واستقصائها ومناقشتها، ولذا سنصنف المعنى إلى الأصناف الآتية:

1- الترادف الإشاري:

يقصد بالترادف الإشاري اتفاق لفظين (أو أكثر) في المشار إليه، ومنه أوصافه صلى الله عليه وسلم- المختار والبشير ونحوهما التي تشير جميعها إلى ذاته ص- وتختلف في معانيها الإحالية، ولذا فإذا نزعت هذه الألفاظ عن سياقيهما الثقافي والعقدي، فقد تستخدم للإشارة إلى غيره عليه السلام، لأن معناها الإحالي يسمح من الناحية اللغوية بإطلاقها على كل من تنطبق عليه معانيها، ويبقى السياق هو الذي يحدد معناها الإشاري. ويسمي بعض الأصوليين الألفاظ المترادفة إشاريا بالمترادفة في الذات.

2- الترادف الإدراكي:

المراد بالترادف الإدراكي اتفاق لفظين (أو أكثر) في معناهما الإبلاغي المحض الخالي من الإيحاءات العاطفية، أو التأثيرية. ومنه اتفاق ‘فم’ و‘ثغر، وكذلك ‘عنق’ و‘رقبة’ و‘جيد’ في المعنى الإدراكي، واختلافها في ظلالها المعنوية، والدليل على ذلك اختلاف سياقاتها كما هو بيّن في الأمثلة الآتية:

· دعا الإسلام إلى تحرير (جياد، أعناق، رقاب) العبيد.

· قصائد الغزل ملأى بوصف (جياد، أعناق، رقاب) النساء.

· يقتل المحكوم عليهم بالإعدام في كثير من البلدان بقطع (جياد، أعناق، رقاب) هم.

3- الترادف التام:

يتوقف وجود الترادف التام على تحقق شرطين:

1- قابلية الاستبدال في جميع السياقات.

2- التطابق في كلا المضمونين الإدراكي والعاطفي.

ونظرا إلى صعوبة تحقق الشرطين، فإن "الترادف التام نادر الوجود فهو من الترف الذي يصعب على اللغة أن تجود به".[7]

وقد حاول جون لاينز التفريق بين الترادف الكامل complete synonymy والترادف التام total synonymy بتخصيص الأول منهما لما انطبق عليه الشرط الثاني من الشرطين السابقين، وإفراد الثاني لما تحقق فيه الشرط الأول.[8] وقد أضاف في دراسة أخرى مصطلح الترادف المطلق وهو ما تحقق فيه الشرطان، بحيث يصير الترادف المطلق هو الترادف الكامل التام، ورأى أن هذا النوع من الترادف الذي يعني اتفاق اللفظين في المعنى الوصفي والتعبيري والاجتماعي، مع اتحاد التوزيع السياقي بينها غير موجود تقريبا.[9]



[1] المزهر: 1: 402.

[2] التعريفات، 31.

[3] إرشاد الفحول، ص18.

[4] العسكري، الفروق في اللغة، ص 13.

[5] المزهر: 1: 385.

[6] شرح الجلال شمس الدين المحلي على متن جمع الجوامع بحاشية البناني، 1:294.

[7] Lyons, Introduction to Theoretical Linguistics, 447-8.

[8] Lyons, Introduction to Theoretical Linguistics, 448.

[9] Lyons, Language and Linguistics, 148.

هناك تعليق واحد:

  1. شكرا لإثارة هذه المسألة اللغويّة المهمّة. كان لنا إسهام بسيط في الموضوع. يرجى الاطّلاع عليه من هذا الرابط:

    https://almoufakker.wordpress.com/?attachment_id=656

    ردحذف